العربيّة الباقية وأشهر لهجاتها



لقد أوضحنا أنّ اللّغة العربيّة الباقيّة هي التي مانزال نستخدمها في الكتابة والتأليف والأدب، وهي التي وصلتها عن طريق الشعر الجاهلي والقرآن الكريم والسنة النبويّة، لذلك تنصرف إليها (العربيّة) عند إطلاقها. والواقع أنّ الإسلام صادف – حين ظهوره – لغة مثالية مصطفاة موحدة جديرة أن تكون أداة التعبير عند خاصة العرب لا عامتهم، فزاد من شمول تلك الوحدة وقويّ من أثرها بنزول قرآنه بلسان عربيّ مبين هو ذلك اللسان المثالي المصطفى[1]. ويبدو أنّ اللّغويين الأقدمين لم يعرضوا اللهجات العربيّة القديمة في العصور المختلفة عرضاً مفصَّلاً يقفنا على الخصائص التعبيريّة والصوتيّة لهاتيك اللهجات، لأنّهم شغلوا عن ذلك باللغة الأدبيّة الفصحى التي نزل بها القرآن وصيغت بها الآثار الأدبيّة في الجاهليّة وصدر الإسلام[2].
وإذا آثرنا عدم التوسع في هذه اللهجات – حتى لايطول بنا البحث كثيراً والمقام لا يسمح به – فإنّ أقصى ما يُغْتَفَرُ لنا الاقتصار عليه من لهجات العربيّة الباقية مجموعتان رئيستان عظيمتان، إحداهما حجازية غربيّة أو كما تسمى أحياناً "قرشية"، والأخرى نجدية شرقيّة أو كما تدعى أحياناً "تميمية". ومن أشهر لهجات العربية الباقية هي :
1)         الكشكشة في ربيعة ومضر، يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شِيْناً، فيقولون في "رأيتكِ: رأيتكش"، و"بكِ: بكش"، و"عليكِ: عليكش"، ومنهم من يجعلها مكان الكاف ويكسرها فى الوصل ويسكّنها في الوقف، فيقولون في "منك : مِنْش".
2)         الفحفحة في لغة هذيل، يجعلون الحاءَ عيناً. فيقولون في "كيف حالك : كيف عالك".
3)         الطمطمانية في لغة حِمْيَر وهي إبدالُ لامِ التعريفِ ميماً.  كقولهم في "طاب الهواء : طاب أَمْهواء".
4)         العجعجة في لغة قضاعة وهي جعل الياء المشددة جيماً، فيقولون في تميمي: تميمج.  يجعلون الياء الواقعة بعد عين، فيقولون في الراعي: الراعج وهكذا.
5)         شنشنة اليمن ، تجعل الكاف شينا مطلقا فيقولون في لبّيك اللهمّ : لبّيش اللهمّ.
6)         الحلخانية أعراب الشّحر وعُمان ، فيقولون في ماشاء الله كان : ماشا الله كان.
7)         عنعنة تميم، تقول في موضع أن : عن.[3]
فهذه القسمة الثنائية الرئيسية لِلَّهجات العربية الباقية هي الحد الأدنى  لتلك المجموعة الواسعة من الوحدات اللّغوية المنعزلة المستقلة. وليستحيلنَّ علينا بدون هذه القسمة أن نعلل تعليلاً علمياً صحيحاً وجود تِعلم ونِعلم بكسر حرف المضارعة إلى جانب تَعلم ونَعلم، ووجود حُمْر وجُمْعة إلى جانب حُمُر وجُمُعة، ووجود حَقِدَ يَحْقَدُ إلى جانب حَقَد يحقِد، ووجود هيهات إلى جانب أيهات[4]. وأمثال ذلك أكثر مما نتصور، والخلاف حوله في أصل لهجتي قريش وتميم أوسع نطاقاً مما نقدر أو نستشعر. وسنرى أنّ لهجة قريش التي جعلتها العوامل السياسيّة والدّينيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة هي اللغة العربية الفصحى المقصودة عند الإطلاق، لم تكن في جميع الحالات أقوى قياساً من لهجة تميم، بل كثيراً ما تفوقها في بعض ذلك تميم، ولكنّها – أي قرشية – باعتراف من جميع القبائل وبطواعية واختيار من مختلف لهجاتها، كانت أغزرها مادة، وأرقّها أسلوباً، وأغناها ثروة، وأقدرها على التعبير الجميل الدقيق الأنيق في أفانين القول المختلفة[5].
رأت الباحثة أنّ لهجة قريش قد ارتفعت في الفصاحة، حين تحضر العرب الموسم في كل عام وتحجّ البيت في الجاهليّة، كانت قريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصاروا أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللّغات ومستقبح الألفاظ. لذلك اصطنعت لغة قريش وحدها في الكتابة والتأليف والشعر والخطابة، فكان الشاعر من غير قريش يتحاشى خصائص لهجته ويتجنب صفاتها  الخاصة في بناء الكلمة وإخراج  الحروف وتركيب الجملة وغير ذلك.
آخيراً... استنبطت الباحثة من البحوث السابقة، بأن العربية الباقية هي اللغة العربية التى ماتزال استخدامها اليوم بوجود لهجات متفرقة نحو الكشكشة والفحفحة والطمطمانية والعجعجة وشنشنة اليمن والحلخانية عمان وعنعنة تميم.


[1]   إبراهيم أنيس، اللهجات: في اللهجات العربيّة، الطبعة الثانية، (القاهرة: مجهول المطبع والانتشار، 1952)، ص 34
[2]   صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة، ص 51
[3]   صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة، ص 53
[4]   اللفظة الأولى من جميع هذه الأمثلة لتميم والأخرى لقريش
[5]   صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة، ص 60

Komentar