لهجة تميم وخصائصها



إنّ في المصادر القديمة والمعاجم اللغوية ما يشير إلى أنّ كثيراً من قواعد اللهجة التميمية أقوى قياساً من بعض القواعد القرشيّة، بل فيها ما تكاد الباحثة تستنتج منه باطمئنانٍ أنّ لهجة تميم كانت في كثير من مفرداتها وتراكيبها هي التي ينطق بها غالباً أبناءُ اللّغة العربيّة. فهذا سيبويه[1] يذكر كيف يراعي التميميون القياس في كسر أوائل الأفعال المضارعة، ويقرّر بوضوح أنّ "ذلك في لغة جميع العرب إلاّ أهل الحجاز". ويؤكّد ابن منظور[2] في "لسان العرب" نسبة هذا القول إلى سيبويه في العبارة الآتية "وزعم سيبويه أنهم يقولون: تقى اللهَ رجلٌ فعل خيراً، يريدون اتّقى اللهَ رجلٌ، فيحذفون ويخففون. وتقول أنت: تَتَّقي اللهَ، وتِتَّقي اللهَ، على لغة من قال تَعْلم وتِعْلم. وتِعْلم بالكسرِ لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وعامة العرب. وأمّا أهل الحجاز وقوم من هوازن وبعض هذيل فيقولون تَعْلم[3].
        وهذا الذي ذكره ابن جنّي عن "ما" التميمية وكونها أقوى قياساً من الحجازية يتعلّق ببعض الفوارق ذات بال، يحسن أن تجمع وينبه عليها: فمن المعلوم أنّ النحاة يقسمون ما "النافية" إلى حجازية وتميمية، فالخبر في الحجازية منصوب، بينما هو في التميمية مرفوع، والقرآن في قوله "ما هذا بشراً"[4] جاء طبعاً على لهجة حجاز[5].
        ومن الفروق بين تميم وقريش أنّ تميماً تجنح كثيراً إلى إدغام المثلين أو الحرفين المتجاورين المتقاربين، فالأمر من "غض" مثلاً في لغة أهل الحجاز "اغضض" بالفكّ، وفي التنزيل "واغضض من صوتك" أي اخفض الصوت... وأهل نجد يقولون: "غضّ صوتك" بالإدغام. وطريقة معالجة تميم لبعض الأفعال والأسماء والحروف والصيغ تختلف اختلافاً واضحاً عن طريقة قريش: (1) إذا فتحت قريش عين الفعل الماضي فقالت: زَهَدَ – حَقَدَ، كسرتها تميم غالباً فآثرت أن تقول: زَهِدَ – حَقِدَ. وإذا ضمت قريش عين المضارع فقالت: يفرُغُ فروغاً إذا بتميم تفتحها، وتقول: يَفرَغُ فراغاً، (2) ومن الاختلاف في الفعل أنّ قريشاً تقول: برَأت من المرض فأنا براء، وتميماً تقول: برِئت فأنا بريء كما هي لغة سائر العرب واللغتان في القرآن العظيم[6].
        ومن الفروق بين تميم وحجاز أنّ اسم الفعل "هلمّ" عند الحجازيين يستوي فيه الواحد والجمع، والتذكير والتأنيث، أما تميم فتلحقه الضمائر وتصرفه تصريف الأفعال "هلمّ هلمّا هلمّي"[7]، والحجاز أيهات وتميم هيهات. واسم الإشارة عند الحجازيين ذلك وتلك، وهو عند تميم ذاك وتاك، وأولاء بالمدّ لغة الحجاز وأولى بالقصر لغة تميم. وقد أشار إلى أصل هذا الخلاف ابن مالك في ألفيته: "وبأولى أشر لجمع مطلقا # والمدّ أولى ولدى البعد انطقا"[8]. والظرف "منذ" عند الحجازيين و"مذ" عند تميم. يقول أهل الحجاز: مارأيته منذ يومين، وتقول تميم: مذ يومين، فيتفقون في الإعراب ويختلفون في مذ ومنذ.
        هذه خلاصة الفوارق الرئيسية بين لهجتي تميم وحجاز، رأت الباحثة من خلال عرضها أنّ من تميم لها خصائص ومميزات، لأنّ لهجة تميم قد أمدت العربية الفصحى بروافد غنية غزيرة، وباستقرار نحوها وصرفها، وسعة اشتقاقها. وكذلك ترى أن اللهجة التميمية لها تأثير عظيم في تطوّر اللغة العربية المستخدمة في هذا العصر كما جاء بها الله في استعمال بعض المفردات التميمية في القرآن. واللهجة التميمية لها خصائص تختلف عن خصائص اللهجة القرشية لتسهّلهم في النطق وإبراز قبيلتهم التميمي بين القبائل العربية الأخرى.


[1]   هو إمام النحاة، عمرو بن عثمان، أبو بشر، المقلب بسيبويه. أوّل من بسط علم النحو، وصنف كتابه المسمى "كتاب سيبويه" لم يصنع قبله ولابعده مثله في النحو. توفي شاباً سنة 180 ﻫ
[2]   هو محمّد بن مكرم، المعروف بابن منظور المصري، لغوي كبير. توفي بالقاهرة سنة 711 ﻫ. طبع معجمه "لسان العرب" في بولاق ثم في بيروت أخيراً.
[3]  صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة، ص 66
[4]   سورة يوسف 31
[5]   صبحي الصالح، ص 68
[6]  ولذلك تجد الباحثة في اللسان 328 "فرغ يفرَغ ويفرُغ فراغاً وفروغاً"
[7]  لسان العرب 101
[8]  جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك، شرح ابن عقيل على ألفية بن مالك، (سورابايا: مكتبة الهداية، مجهول السنة)، ص 46

Komentar